تعرضت البنية التحتية لقطاع الطيران في المملكة المتحدة لموجة جديدة من الانتقادات والتدقيق المكثف، إثر عطل تقني مفاجئ ضرب خدمات مراقبة الملاحة الجوية الوطنية (NATS).

ويأتي هذا الحادث الجديد ليصب الزيت على النار، مدفوعاً بحالة الشلل الضخمة التي أصابت المجال الجوي في جميع أنحاء البلاد في وقت سابق من الشهر الجاري، مما أعاد إشعال مخاوف جدية لدى شركات الطيران والهيئات التنظيمية والمسافرين الغاضبين بشأن موثوقية التشغيل لنظام إدارة الحركة الجوية الرئيسي في بريطانيا.
تشريح الحادث الأخير: خلل مركز بريستويك
صباح يوم الاثنين، واجهت العمليات الجوية عبر شمال إنجلترا وإسكتلندا وأيرلندا الشمالية اضطرابات فورية، وذلك إثر بروز خطأ تقني في مركز مراقبة بريستويك التابع لشركة NATS في إسكتلندا.
استهدفت المشكلة تحديداً نظام معالجة بيانات الرحلات والاتصال الشبكي الخاص بالمركز. وللحفاظ على معايير السلامة الصارمة ودون أي تنازلات، اضطر مراقبو الحركة الجوية إلى فرض قيود تكتيكية على تدفق الرحلات وتقليل حجم الطائرات التي تدخل إلى المجال الجوي المتأثر.
وفي حين ظلت المطارات الواقعة جنوب مانشستر بمنأى عن التأثر إلى حد كبير، إلا أن مراكز النقل الكبرى تحمّلت العبء الأكبر للتباطؤ بشكل مباشر:
سجلت مطارات إدنبرة وغلاسكو تأخيرات ملحوظة في مواعيد الإقلاع مع إلغاء عدد من الرحلات المحددة.
شهد كل من مطار بلفاست الدولي ومطار مدينة بلفاست اضطرابات في الجداول وإلغاءات على الخطوط الرابطة بين وجهات مثل مانشستر وأمستردام وغلاسكو.
شهد مطار مانشستر والمطارات الإقليمية الأخرى تأخيرات وصلت إلى ساعة كاملة على الرحلات المغادرة والقادمة.
وأشارت شركة تحليلات الطيران (Cirium) إلى أنه في الوقت الذي اقتصر فيه التأثير الصباحي الباكر على نطاق محلي نسبياً مقارنة بالانهيارات السابقة التي شملت النظام بأكمله، أكدت شركات طيران مثل (ريان إير) أن عشرات الآلاف من المسافرين واجهوا تأخيرات متتالية، مما أثار موجة جديدة من الاستياء العارم بين كبار التنفيذيين في قطاع الطيران.
دحض الروابط: فصل حادثة بريستويك عن أزمة 8 سبتمبر
من الطبيعي أن سارعت سلطات الطيران إلى تبديد قلق الجمهور بشأن ما إذا كان هذا الخلل الأخير يعتبر تكراراً لفشل البرمجيات الكارثي الذي أصاب المجال الجوي البريطاني بالشلل تام في 8 سبتمبر.
أكدت شركة NATS بصورة قاطعة أن حادث يوم الاثنين في بريستويك منفصل تماماً عن الأزمة الوطنية السابقة.
- انقطاع 8 سبتمبر نشأت الأزمة السابقة من مركز مراقبة سوانويك (Swanwick) وأثرت بشكل مباشر على نواة نظام المجال الجوي الوطني (NAS). كشفت شركة NATS مؤخراً في تقرير مبدئي أن انقطاع سبتمبر ناجم عن خلل برمجي قديم وغير مكتشف مسبقاً. ففي نافذة زمنية لم تتجاوز مليسكانداً واحداً تقريباً، قُاطع طلب يدوي لرمز استجابة الطائرة (Squawk code) بمهمة ذات أولوية أعلى؛ وعند استئناف المعالجة، تعرضت مخرجات البيانات للتلف، مما تسبب في إيقاف تشغيل النظام لمدة ست ساعات، وإلغاء أكثر من 2,000 رحلة جوية، وحدوث فوضى عارمة في سفر مئات الآلاف من الركاب.
- حادثة 21 سبتمبر في المقابل، وصفت شركة NATS الحدث الأخير بأنه مشكلة اتصال محلية ضمن شبكة الأنظمة وتحديداً تخص العمليات التي يتم تشغيلها من إسكتلندا. وقد تدخل المهندسون بسرعة لعزل المشكلة واستعادة توجيه حركة المرور الطبيعية، رغم أن عملية التعافي خلّفت تراكمًا مؤقتًا للرحلات المتأخرة.
تصاعد الضغوط والتداعيات السياسية
بالنسبة للرئيس التنفيذي لشركة NATS، مارتن رولف، لا يمكن توقيت هذه الأزمة بشكل أسوأ من ذلك؛ فالمنظمة تواجه بالفعل ضغوطاً شديدة إثر انهيار برمجيات 8 سبتمبر. وقد استُدعي رولف مؤخراً أمام وزراء الحكومة البريطانية للإجابة عن تساؤلات صعبة تتعلق بثغرات البنية التحتية، في حين كُلفت هيئة الطيران المدني في المملكة المتحدة (CAA) بالفعل بإجراء مراجعة مستقلة لخطط استثمار NATS ومساءلتها ومدى مرونتها النظامية.
وردت شركات الطيران بإدانات شديدة اللهجة. حيث تطالب مجموعات الصناعة الكبرى وشركات الطيران منخفض التكلفة —لا سيما شركة (ريان إير) التي انتقد مديرها التشغيلي نيل ماكماهون علانية فشل NATS في ضمان الاستقرار رغم الضمانات الأخيرة— بوضع آليات تعويض فورية وإستراتيجيات تحديث شفافة وملموسة.
يؤكد قادة القطاع أن السفر الجوي الحديث يعتمد بدرجة كبيرة على بنية تحتينية رقمية أولاً تتسم بعدم الانقطاع. وحين تحدث الأخطاء التقنية بتتابع سريع، فإن تداعياتها تمتد لتتجاوز الحدود المحلية بكثير، لتؤثر على لوجستيات الشحن الدولي، والرحلات المترابطة، وثقة المسافرين.
ما الخطوة القادمة للمجال الجوي البريطاني؟
بينما تعمل شركة NATS جنباً إلى جنب مع المطارات وشركات الطيران لتصفية التأخيرات المتبقية في الرحلات واستعادة العمليات الروتينية عقب خلل بريستويك، فإن الضغوط المطالبة بإصلاح جذري لم تكن أعلى من أي وقت مضى.
من المرجح أن تشهد الأشهر القادمة رقابة صارمة من قِبل وزارة النقل وهيئة الطيران المدني (CAA). وبالنسبة للمسافرين والناقلات على حد سواء، الرسالة واضحة: الحلول قصيرة الأجل وتدابير التخفيف المؤقتة لم تعد كافية؛ إذ يتطلب قطاع الطيران في المملكة المتحدة تحديثاً عميقاً ومستداماً للمستقبل لضمان عدم تحول أي عطل تقني فردي إلى أزمة وطنية شاملة.